فوزي آل سيف
48
أعلام من الأسرة النبوية
وقد يكون لهذا السبب ولغيره رأى أنه لا يستطع ان يتصدى للحماية العلنية والصريحة لرسول الله، مثلما فعل أبو طالب، بالإضافة إلى شجاعة أبي طالب الفائقة بالنسبة لأخيه العباس، الذي قال للنبي لما عرض عليه أمر النصرة في بداية البعثة والرسالة، بأن يذهبا إلى أبي طالب ويعرضا عليه الأمر..وهكذا حصل ووجدا غاية النصرة والتعهد بالحماية عند أبي طالب، بما مرت الإشارة إليه في ترجمة أبي طالب عليه السلام. هل كان العباس مسلما خلال هذه المدة؟ أو تأخر إسلامه بعد البعثة إلى ما قبل بدر؟ أو أنه تأخر إلى ما قبل خيبر سنة 7 للهجرة؟ يعتقد بعض الباحثين أن إسلامه كان مبكرا جدا، وأنه كان قبل الهجرة بفترة طويلة، لكن إسلامه كان خفيا! ويستشهدون على ذلك ببقاء زوجته أم الفضل لبابة بنت الحارث، حيث نقل بعضهم أنها كانت ثانية المسلّمات بعد خديجة عليه كما ورد.. وقد لا يكون هذا الترتيب دقيقا، لكن من المتفق عليه أن إسلامها كان مبكرا جدا، وبقاؤها على زوجيته سيتأتى فيه ما ذكر في قضية أبي طالب حيث استشهد على إسلامه ببقاء زوجته المسلمة على نكاحه[139]. ويشير أبو رافع وهو غلام العباس، وقد أهداه فيما بعد إلى رسول الله، إلى سرية إسلام العباس قائلا: "كنت غلاماً للعباس بن عبد المطلب، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت، فأسلم العباس، وأسلمت أمُّ الفضل، وأَسْلَمْتُ، وكان العباس يكتم إسلامه". وفي نقل آخر أنه قال: وكان العباس يهاب قومه.. ويستفاد من ما سبق أن جهة كتمانه لإسلامه، ترتبط بقضيتين: إنه لم يكن من الشخصيات التي تصطدم مع المجتمع القرشي، لما كان له من ارتباطات بهم، والأخرى قضية مالية و إقتصادية فقد كان له ديون على القرشيين ولديه شراكات و مضاربات!! و كان القرشيون إذا رأو شخصا قد هاجر إلى رسول الله مسلما استحلوا أمواله، بل أخذوا بيته! وبالطبع فإن مثل هذا ينقص من منزلته بالقياس إلى المهاجر إلى رسول الله.[140] ولما قربت المواجهة بين مشركي قريش من جهة والمسلمين في بدر من جهة أخرى، أوصى النبي المسلمين، ألّا يقتلوا بني هاشم إذا رأوهم في المعركة في جانب المشركين، فإنهم خرجوا مكرهين، وألّا يقتلوا أبا البختري بن هشام، وكأن النبي صلى الله عليه وآله أراد حفظ معروفه لرسول الله والمسلمين، حيث سعى في نقض حصار قريش بني هاشم والمسلمين في شعب أبي طالب، وكان يسوق لهم المؤن في جوف الليل.. ولعل في نهي النبي صلى الله عليه وآله عن قتلهم، نحو إشارة إلى عدم كفرهم. وعدم استحقاقهم للقتل، الأمر الذي لم يفهمه بعض أصحاب النبي كأبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة الذي قال غاضبا: أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وعشيرتنا ونترك العباس والله لئن لقيته لألحمنه السيف!! فلما استبصر أبو حذيفة وراحت سكرة غضبه اعتذر لرسول الله صلى الله عليه وآله الذي سأله: أنت القائل كذا وكذا؟ قال: نعم يا رسول الله شقّ عليَّ إذا رأيت أبي وعمي وأخي مقتّلين
--> 139 ) حين سئل الإمام علي بن الحسين عليه السلام عن إيمان أبي طالب قال: " واعجبا إن الله نهى رسوله أن يقر مسلمة على نكاح كافر، وقد كانت فاطمة بنت أسد من السابقات إلى الإسلام ولم تزل تحت أبي طالب حتى مات". نقله السيد فخار بن معد الموسوي في كتابه الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة. وقد يقال إن آية تحريم النكاح بين المسلمة والكافرة كانت متأخرة.. فيقال: بأن هناك قولا بأن التحريم كان معلوما عند المسلمين في مكة، غاية الأمر أنه لم يكن نافذا على الكفار لقوتهم وضعف المسلمين، وهذا ما أشارت إليه بعض أحاديث مدرسة الخلفاءء فقد نقل في سيرة ابن هشام 2/ 478 " وكان الإسلام قد فرق بين زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أسلمت وبين أبى العاص بن الربيع، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يقدر أن يفرق بينهما " ولو فرضنا عدم نزول آية في هذا فقد يقال كما عن بعضٍ: إنّ المتأخر هو إعلان التشريع وإبلاغه للمسلمين دون أصل التشريع، بمعنى إنّ أصل الحكم كان مشرعاً ومعلوماً للنبي صلّى الله عليه وآله، وإنّما تأخّر الإعلان عنه لمصلحة التدرّج في بيان الأحكام الشرعيّة المعلومة للجميع، وهذا يمنع من إقرار النبي صلّى الله عليه وآله هذا النكاح لو لم يكن أبو طالب عليه السلام ـ أو العباس ـ مسلمين. 140 ) قال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا ۚ).